الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
37
مختصر الامثل
الْقُرُونِ » . فهؤلاء يسيرون بين الخرائب ويرون آثار أولئك الأقوام الذين هلكوا من قبلهم « يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ » . تقع مساكن « عاد » و « ثمود » المدمّرة ، ومدن « قوم لوط » الخربة في طريق هؤلاء إلى الشام ، وكان المشركون يمرّون على تلك الخرائب فكأنّ لبيوت هؤلاء وقصورهم المتهدمة مئة لسان ، وتبيّن لهم وتحدثهم بنتيجة الكفر والإنحطاط ، ولذلك تضيف الآية في النهاية : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ » . وتشير الآية التالية إلى أحد أهم النعم الإلهية التي هي أساس عمران كل البلدان ، ووسيلة حياة كل الكائنات الحية ، ليتّضح من خلالها أنّ اللَّه سبحانه كما يمتلك القدرة على تدمير بلاد الضالين المجرمين ، فإنّه قادر على إحياء الأراضي المدمّرة والميتة ، ومنح عباده كل نوع من المواهب ، فتقول : « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ » . « الجُرُز » : تعني الأرض القاحلة التي لا ينبت فيها شيء قطّ . ولما كانت الآيات السابقة تهدّد المجرمين بالانتقام ، وتبشّر المؤمنين بالإمامة والنصر ، فإنّ الكفار يطرحون هذا السؤال غروراً واستكباراً وتعلّلًا بأنّ هذه التهديدات متى ستتحقق ، كما يذكر القرآن ذلك : « وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ » . فيجيبهم القرآن مباشرةً ، ويأمر النبي صلى الله عليه وآله أن : « قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَايَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ » . أي : إذا كان مرادكم أن تروا صدق الوعيد الإلهي الذي سمعتموه من النبي لتؤمنوا ، فإنّ الوقت قد فاتكم ، فإذا حلّ ذلك اليوم لا ينفعكم إيمانكم فيه شيئاً . والمراد من « يوم الفتح » يوم نزول « عذاب الاستئصال » ؛ أي العذاب الذي يقطع دابر الكافرين ، ولا يدع لهم فرصة الإيمان . وبتعبير آخر : فإنّ عذاب الاستئصال نوع من العذاب الدنيوي ، الذي يُنهي حياة المجرمين بعد إتمام الحجة . وأخيراً تنهي الآية الأخيرة هذه السورة - سورة السجدة - بتهديد بليغ عميق المعنى ، فتقول : « فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ » . الآن ، حيث لم تؤثّر في هؤلاء البشارة ولا الإنذار ، فأعرض عنهم ، وانتظر رحمة اللَّه سبحانه ، ولينتظروا عذابه فإنّهم لا يستحقون سواه . « نهاية تفسير سورة السجدة »